ابن رشد
292
تهافت التهافت
به . والعقل ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها وبه يفترق من سائر القوى المدركة فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل . وصناعة المنطق تضع وضعا أن هاهنا أسبابا ومسببات وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها ، فرفع هذه الأشياء هو مبطل للعلم ورفع له فإنه يلزم ألا يكون هاهنا شيء معلوم أصلا علما حقيقيا ، بل إن كان فمظنون ، ولا يكون هاهنا برهان ، ولا حد أصلا ، وترتفع أصناف المحمولات الذاتية التي منها تأتلف البراهين . ومن يضع أنه ولا علم واحد ضروري يلزمه ألا يكون قوله هذا ضروريا . وأما من يسلم أن هاهنا أشياء بهذه الصفة وأشياء ليست ضرورية وتحكم النفس عليها حكما ظنيا وتوهم أنها ضرورية وليست ضرورية فلا ينكر الفلاسفة ذلك . فإن سموا مثل هذا عادة جاز ، وإلا فما أدري ما يريدون باسم العادة ، هل يريدون أنها عادة الفاعل ؛ أو عادة الموجودات ، أو عادتنا عند الحكم على هذه الموجودات ؟ ومحال أن يكون للّه تعالى عادة . فإن العادة ملكة يكتسبها الفاعل توجب تكرر الفعل منه على الأكثر ، واللّه عز وجل يقول : فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا وإن أرادوا أنها عادة للموجودات ، فالعادة لا تكون إلا لذي نفس ، وإن كانت في غير ذي نفس فهي في الحقيقة طبيعة ، وهذا غير ممكن ؛ أعني أن يكون للموجودات طبيعة تقتضي الشيء : إما ضروريا وإما أكثريا وإما أن تكون عادة لنا في الحكم على الموجودات . فإن هذه العادة ليست شيئا أكثر من فعل العقل الذي يقتضيه طبعه وبه صار العقل عقلا وليس تنكر الفلاسفة مثل هذه العادة ، فهو لفظ مموه إذا حقق لم يكن تحته معنى إلا أنه فعل وضعي مثل ما نقول : جرت عادة فلان أن يفعل كذا وكذا يريد أنه يفعله في الأكثر ، وإن كان هذا هكذا كانت الموجودات كلها وضعية ولم يكن هنا لك حكمة أصلا من قبلها ينسب إلى الفاعل أنه حكيم . فكما قلنا لا ينبغي أن يشك في أن هذه الموجودات قد تفعل بعضها بعضا ومن بعض ، وأنها ليست مكتفية بأنفسها في هذا الفعل ، بل بفاعل من خارج ، فعله شرط في فعلها بل في وجودها فضلا عن فعلها . وأما ما جوهر هذا الفاعل أو الفاعلات ففيه اختلاف الحكماء من وجه ولم يختلفوا من وجه ، وذلك أنهم كلهم اتفقوا على أن الفاعل الأول هو بريء عن المادة وأن هذا الفاعل فعله